إخوان الصفاء
194
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الجنان وفي عالم الأفلاك من الرّوح والريحان ، وقلة رغبتهم فيها لقلة تصديقهم بما خبّرت به الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، وما أشارت إليه الفلاسفة الحكماء بما يقصر الوصف عنه من لطيف المعاني ودقائق الأسرار ، فانصرفت همم نفوسهم كلها إلى أمر هذا الجسد المستحيل ، وجعلوا سعيهم كله لصلاح معيشة الدنيا من جمع الأموال والمآكل والمشارب والملابس والمراكب والمناكح ، فصيّروا نفوسهم عبيدا لأجسادهم ، وأجسادهم مالكة لنفوسهم ، وسلّطوا الناسوت على اللاهوت ، والظلمة على النور ، والشياطين على الملائكة ، وصاروا من حزب إبليس وأعداء الرّحمن . فهل لك أيها الأخ أن تنظر لنفسك وتسعى في صلاحها ، وتطلب نجاتها وتفك أسرها وتخلصها من الغرق في الهيولى وأسر الطبيعة وظلمة الأجساد ، وتخفّف عنها أوزارها ، وهي الأسباب المانعة لها من الترقي إلى السماء والدخول في زمرة الملائكة ، والسّيحان في فسحة عالم الأفلاك الروحانية ، والارتفاع في درجات الجنان ، والتنفس من ذلك الرّوح والريحان المذكور في القرآن ، بأن ترغب في صحبة أصدقاء لك نصحاء ، وإخوان لك فضلاء ، وادّين لك كرماء ، حريصين على طلب خلاصك ونجاتك مع أنفسهم ، قد خلعوا أنفسهم من طاعة أبناء الدنيا ، وجعلوا كدّهم طلب نعيم الدار الأخرى ، بأن تسلك مسلكهم ومقصدهم ، وتتخلص بسيرك معهم ، وتتخلّق بأخلاقهم ، بأن تسمع أقاويلهم وتعرف اعتقادهم ، وتنظر في علومهم وتفهم أسرارهم ، وما يخبرونك به من العلوم النفسية والمعارف الزكيّة الحقيقيّة ، والمعقولات الروحانيّة ، والمحسوسات النفسانية ؟ إذا دخلت مدينتنا الروحانيّة ، وسرت بسيرتنا الملكية ، وعملت بسنّتنا الزكيّة ، وتفقهت في شريعتنا العقلية لتنظر إلى الملإ الأعلى ، وتعيش عيش السعداء فرحان مسرورا ، ملتذّا مخلّدا أبدا بنفسك الباقية الشريفة ، النيّرة الخفيّة ، الشفّافة ، لا بجثتك الدنيّة ، المظلمة الثقيلة ، المتغيرة المستحيلة ،